عبدالحليم قنديل يكتب”عندما ترحل كورونا”

0 294
اخبار مشابهة
1 من 49

وباء “كورونا” ليس يوم القيامة ولا نهاية التاريخ ، فيوم القيامة فى علم الله وحده ، وأشراط الساعة لا يعلمها إلا هو ، أما “نهاية التاريخ” فقصة بشرية ، وكانت نبوءة مضللة للأمريكى من أصل يابانى فرانسيس فوكوياما ، وعنوانا لكتابه الشهير قبل ما يزيد على الربع قرن ، ثم تراجع عنها فوكوياما نفسه ، الذى كان ظن أن القصة انتهت ، وأن سقوط الاتحاد السوفيتى وكتلته الإشتراكية كان مسك الختام ، وأن لا أحد بوسعه بعدها ، تحدى الطبعة الغربية الرأسمالية والليبرالية ، وأن العولمة الغريبة هى الحل ، وأن “الأمركة” كمرادف للعولمة ، هى القدر الأخير بعد نفاد فصول الصراع الإنسانى .
المستشارة الألمانية ميركل عبرت سياسيا بطريقتها عن فزع “كورونا” ، وقالت أنه أكبر تحد يواجهنا منذ الحرب العالمية الثانية ، وقد كانت ألمانيا نفسها مهدا للحرب الثانية ، وكان هتلر المستشار الأسبق لألمانيا ، هو الذى أشعل الشرارة الأولى للحرب ، التى سقط فيها نحو ستين مليون قتيل ، ودمرت فيها عواصم أوروبا الكبرى ، ولم يكتف الغرب فى حربه بتدمير مدنه وأقطاره ، بل حطم شعوبا أخرى فى شرق العالم وجنوبه ، كانت كلها من ضحايا استعمار ومطامع “حلفاء” و”محور” الحرب الثانية ، التى أنهكت المركز الأوروبى للسيطرة الغربية ، وسمحت لحركات التحرير الوطنى بتحقيق انتصارات متوالية ، طوت عصر “سيادة الغرب” ، الذى استمر قرونا منذ سقوط غرناطة واكتشاف الأمريكتين ، وافتتحت عصرا من “تحدى الغرب” ، برزت فيه أدوار رموز من نوع ماو وسوكارنو ونهرو وجمال عبد الناصر وسلفادور الليندى ، حاصرهم المركز الأمريكى للسيطرة الغربية ، ونجح فى إطفاء الأنوار فى مناطق ، بينها عالمنا العربى المنكوب ، لكن قوة الدفع الهائلة لحركات التحرير ، ظلت تؤتى أكلها فى معارك التنمية بعد التحرير ، وتواصل أشواط التحدى حتى بعد سقوط موسكو الشيوعية ، وتبشر بدخول العالم إلى مرحلة “تجاوز الغرب” ، أى امتلاك ذات قوته المادية والتكنولوجية ، وإلى أن تفوقت المعجزة الصينية ، التى حققت فى أقل من أربعة عقود ، ما حققه الغرب فى خمسة قرون ، وبدت كقوة كاملة الأوصاف ، راحت تغير وجه العالم على نحو تدريجى فعاصف ، وتكتب التاريخ من جديد ، وتصوغ عالما أكثر اتزانا وإنسانية ، وتثبت تفوقها الباهر ، فى محطات ليس آخرها حرب “كورونا” ، التى تحول المشهد الأوروبى إلى أخطر مسارحها ، تماما كما كان عليه الأمر فى الحرب العالمية الثانية .
وفى المنازلة الكبرى ، بدت قوة الصين الطالعة عفية على نحو كاسح ، صحيح أن الصعود اليابانى سبق الصعود الصينى ، وكان التقدم اليابانى مقلقا للتفرد الأمريكى بقيادة اقتصاد العالم ، وكان عجز أمريكا التجارى فى مواجهة اليابان ظاهرا فى ثمانينيات القرن العشرين ، وبما دفع المؤرخ الأمريكى من أصل بريطانى بول كينيدى ، إلى إطلاق تحذير أخير ، فى كتابه الموسوم “نشوء وسقوط القوى العظمى” ، الذى ركز فيه على اختلال التوازن بين البندقية ورغيف الخبز ، وتحول أمريكا من أكبر دائن إلى أكبر مدين فى الدنيا كلها ، وتوقع أفول نجم القوة الأمريكية عالميا ، كما انحطاط الاتحاد السوفيتى ، والتدهور متصل بإطراد ، فقد تزايد الإنفاق العسكرى الأمريكى إلى ما يزيد على 750 مليار دولار سنويا اليوم ، وزاد عبء الدين الأمريكى إلى 22 تريليون دولار ، وزاد انحطاط العجز التجارى هذه المرة فى مواجهة الصين ، التى تستحوذ وحدها على 35% من تجارة العالم ، وبدت الصين كقوة عالمية أولى ، وحجم اقتصادها اليوم أكبر من حجم اقتصاد أمريكا بمعيار تعادل القوى الشرائية ، ولدى الصين احتياطيات نقد أجنبى بأرقام فلكية ، تجاوزت حاجز الأربعة تريليونات دولار ، وصارت الصين أكبر مستثمر فى ديون أمريكا عبر شراء سندات الخزانة الأمريكية ، والعجز الأمريكى فى التبادل التجارى مع الصين ، بلغ حافة الأربعمائة مليار دولار سنويا ، وهو ما أصاب أمريكا بذعر جنونى ، دفع إدارة ترامب إلى العودة لسلاح الحماية الصناعية ومضاعفة الحواجز الجمركية ، والانسحاب من العولمة الاقتصادية والتجارية ، التى قادت أمريكا الحركة إليها تاريخيا ، وعلى ظن إمكان تحويل العولمة إلى “أمركة” شاملة للعالم ، ومن دون تحسب لصعود الصين كقوة شاملة ، أى قوة اقتصاد وسلاح وتكنولوجيا نووية وفضائية ، ثم أن الصين عالم بكامله ، وقوتها البشرية تفوق الغرب الأوروبى والأمريكى مجتمعا ، وقد صار معيار القوة البشرية المتعلمة المدربة حاسما فى موازين العالم الجديد ، وفى أولوية اقتصاد المعرفة الزاحف ، ونجحت الصين فى تطوير نظامها التعليمى ، وهو الأكبر فى العالم بامتياز ، ويضم أكثر من 300 مليون شخص فى مراحله المختلفة ، وهو مجانى تماما ، ثم أنه صار الأفضل فى التصنيف الدولى ، وهو ما يفسر تطورات الصين المذهلة فى عوالم التكنولوجيا وتطبيقاتها ، وبالذات فى “الروبوتات” التى لعبت دورا هائلا على مسارح الحرب ضد وباء “كورونا” ، الذى هاجم الصين أولا ، وبضراوة مفزعة ، فاقت وقع هجمات هتلر الأولى فى الحرب العالمية الثانية ، ثم كان النجاح السريع للصين ، وفى التاريخ الذى حددته القيادة الصينية ، فلم تعد ترد أنباء عن إصابات يومية جديدة فى “ووهان” مركز الوباء الأول ، ومصانعها الكبرى عادت للعمل بكامل الطاقة ، وبدت الدولة الصينية الأكثر تفوقا فى المواجهة ، بسلطة مركزية راسخة ، تملك نصف الاقتصاد كملكية عامة ، وتخطط لنصفه الآخر المملوك للخواص ، وبتماسك فريد فى النسيج القومى ، فالصين ذات العدد المقارب للمليار ونصف المليار نسمة ، 94% من سكانها من قومية واحدة هى “الهان” ، وشعبها أبدى انضباطا حديديا فى تنفيذ توجيهات العزل والحجر والتطهير والتعقيم والوقاية ، ومقدرة الصين الاقتصادية والإنشائية بدت غلابة ، وأقامت مستشفيات ضخمة على أرقى مستوى فى أيام ، وحققت النسبة الأكبر عالميا فى حالات التعافى من إصابات كورونا ، وقدمت تطبيقات تكنولوجية ، فاقت بكثير شطحات وخيالات صناع أفلام هوليوود ، وتحركت فيها روبوتات الصين كجيوش بكائنات عظيمة الذكاء ، وقامت بأعمال التطهير والتعقيم للشوارع والمبانى وناطحات السحاب ، ومهمات الفحص واكتشاف المصابين ، وإدارة العمل فى المستشفيات ، وعلى امتداد مدن كبرى ، أولها بالطبع مدينة “ووهان” عاصمة مقاطعة “هوبى” ، التى تضم نحو ستين مليون نسمة ، أى بحجم دولة أوروبية كبرى ، إضافة لتكنولوجيا “البيج داتا” ، التى طورتها الصين ، ولا تملك دولة فى العالم ما يضاهيها شمولا ، وفيها سجل بيانات كل فرد صينى ، بياناته الشخصية والصحية والاقتصادية والمكانية ، إضافة لبرنامج الكشف الصحى الذاتى ، الذى طورته شركات الصين التكنولوجية العظمى ، علاوة على تقديم تكنولوجيات لرجال الشرطة وكوادر الجيش الأكبر عددا فى الدنيا كلها ، وعلى نحو تحولت معه الصين إلى مسرح خيال علمى بديع ، وصارت قبلة شفاء للحالمين بالنجاة ، ومدت يدها لأوروبا فى محنتها الراهنة ، التى حولت مدتها الكبرى إلى خلاء أشباح ، وقدمت لها ملايين الكمامات وأجهزة الكشف بالمجان ، كما قدمت بروتوكول العلاج علنا لبلاد الدنيا كلها ، وسبقت بإعلان تطوير لقاح ، وإجراء تجاربه السريرية ، وتستعد لإنتاج عقار “فافيبيرافير” بمليارات العبوات ، وبيعه للعالم المتلهف بسعر التكلفة ، بينما تبدو إدارة ترامب الأمريكية فى “حيص بيص” ، وهى تواجه غزو الفيروس الآخذ فى الانتشار بكثافة فى مدن أمريكا بعد مدن أوروبا الحليفة المنكوبة ، مع انكشاف ضعف وترهل السياسات الصحية والمنشآت الطبية ، ومع قصور فادح فى الإمكانيات المالية والتكنولوجية ، ومع محاولة ترامب شراء جهود شركة ألمانية كبرى متخصصة فى إنتاج اللقاحات الفيروسية ، وبما دفع مسئولا ألمانيا كبيرا للرد بالقول أن “ألمانيا ليست للبيع” ، ثم تردى ترامب إلى ما هو أسوأ ، وبدا مثيرا لشفقة لا يستحقها، حين أعلن مزهوا إمكانية استخدام دواء الملاريا فى علاجات كورونا ، وهو الخبر الذى سبقت الصين لإعلانه وتعميمه .
وباختصار ، لا تبدو “حرب كورونا” فى عزلة عن مصائر وصور العالم الجديد الزاحف ، فقد كانت للحرب العالمية الثانية نتائجها ، ورسمت صور العالم الذى أعقب نهاياتها ، سواء فى مرحلة القطبين السوفيتى والأمريكى ، أو فى مرحلة القطبية الأمريكية الأحادية القصيرة العمر ، بعد انهيارات موسكو الشيوعية ، لكن حقائق التحول فى موازين الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا ، راحت تلقى بآثارها وظلالها ، وعبر ميادين حروب بالنار، كان أظهرها ما جرى فى سوريا، مع إعادة تأهيل روسيا عسكريا ، ومع زحف القوة الصينية الصلبة والناعمة ، التى راحت تشكل فى هدوء ملامح عالم جديد ، هزمت الصين فيه أمريكا لمرتين ، مرة فى حرب العولمة الاقتصادية ، ومرة أخرى راهنة فى الحرب ضد وباء كورونا الكونى ، وربما لن يعود العالم أبداً عند رحيل “كورونا” إلى الذي كنا نعرفه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.