“ليست الحرب الأخيرة”عبدالحليم قنديل”

0 6

فى وقت ما قد يكون قريبا، سوف يتوقف إطلاق النيران مؤقتا فى الحرب الراهنة، وهى أعنف مواجهة فلسطينية خالصة مع كيان الاحتلال ، نزفت وتنزف فيها “غزة” كما لم يحدث قبلها أبدا، وبلغ عدد الشهداء والشهيدات فيها نحو ثمانية آلاف حتى لحظة كتابة السطور، نصفهم من الأطفال والنساء، وربما تتضاعف الأرقام فيما بعد، مع احتساب آلاف المدفونين لا يزالون تحت الأنقاض، إضافة لضحايا الحصار والتجويع والتشريد وقطع المياه والكهرباء والوقود وكل موارد الحياة، ومن دون أن يخف وقع الكارثة بنجدة مؤثرة، فعشرات الشاحنات من “معبر رفح” إلى جنوب “غزة” حتى اليوم، لا تمثل سوى ” قطرة فى محيط الاحتياجات العاجلة ” بوصف “أنطونيو جوتيريش” سكرتير عام الأمم المتحدة نفسه .
غير أن الحرب، التى يبدو فيها وجه المأساة الفلسطينية ظاهرا إلى حد الإبادة الجماعية، حملت أيضا وجوه صمود وبطولة خارقة لا تخفى، فهذه أول مرة تعبر فيها قوات المقاومة الفلسطينية من الأراضى المحتلة عام 1967 إلى الأراضى المحتلة فى نكبة 1948، ليس باختراق فدائى محدود، ولا بعمليات استشهادية، بل بقوات نخبة عالية التدريب جاوزت الألف، وكجيش نظامى محترف، يتقن الخداع الاستراتيجى والمفاجأة المذهلة، وتحارب جيش الاحتلال فى عقر كيانه وقواعده، وتسحق استخباراته وتكنولوجياته وضباطه وجنوده، وتسيطر لأيام طويلة على نحو 500 كيلومتر مربع، وتنفذ انسحابا كفؤا منظما عبر طرق مرئية ومخفية، ومعها مئات الأسرى تحتفظ بهم فى مدن أنفاق هائلة، لم ينجح قصف غزة بالطائرات والقنابل الأمريكية “الزلزالية”، وبما يساوى عدة قنابل ذرية حتى اليوم، فى الوصول إلى أغلب قادة كتائب المقاومة، ولا فى كشف خرائط الأنفاق، ولا فى الإضرار بالجهد القتالى الفلسطينى الرئيسى، برغم التدمير الهمجى المعمم لنحو نصف مبانى قطاع “غزة” ووحداته السكنية، وبرغم نزوح أكثر من نصف سكان “غزة” إلى الجنوب والوسط وفى المستشفيات ومدارس “الأونروا”، وبرغم الانهيار الكلى للنظام الصحى، لا تزال “غزة” صامدة كقلاع الأساطير، تودع شهداءها بالدموع والاحتساب كل صباح ومساء، بينما يهرب مئات آلاف “الإسرائيليين” المحتلين المذعورين من مستوطنات غلاف غزة، ومن مستوطنات الجليل الأعلى فى الشمال، ويفقد كيان الاستيطان الإسرائيلى مليارات الدولارات كل يوم، وتتدهور عملته “الشيكل” فى اطراد، ويدفع حليفه وراعيه الأمريكى عشرات المليارات من الدولارات، ويحشد أقوى حاملات طائراته وقطعه البحرية الكبرى، وينزل الآلاف من كبار جنرالاته وقواته الخاصة على الأرض لحرب منتظرة مع قوات المقاومة الفلسطينية، وتحت شعار “إبادة حماس”، ويؤجل الحليفان المتطابقان الأمريكى و”الإسرائيلى” مرحلة الغزو البرى، خصوصا بعد إخفاق بروفة الغزو فى “خان يونس”، ومفاجأة المقاتليين الفلسطينيين لسرية غزو ، وتدمير دباباتها وآلياتها وقتل وجرح جنودها، إضافة لاستمرار هجمات المقاومين الفلسطينيين لعمق الكيان فى قاعدة “زيكيم” وغيرها، فوق رشقات الصواريخ المحطمة لأعصاب ونفسية العدو، وهو ما يبشر بهزيمة محققة ـ بعون الله ـ لقوات الجيشين الإسرائيلى والأمريكى عند حلول مواعيد الغزو البرى، وهى عشرة أضعاف قوات “حماس”، مع فوارق التسليح المرعبة على الورق، لكنها لا تملك عقيدة قتال كالتى لدى المقاومين الفلسطينيين، فلا “تل أبيب” ولا “واشنطن” ولا غيرهما من عواصم الغرب المعادى، لا أحد من هؤلاء ولا جميعهم، بوسعهم احتمال خسائر بشرية فادحة، قد تلحق بهم فى قتال الرجال على الأرض وجها لوجه، إضافة لما جرى من تصدير الارتباك والقلق والعار إلى صفوف الغرب نفسه، بإحباط قيادة المقاومة لأكاذيبهم الوقحة، ولقصصهم “المفبركة” عن قطع قوات المقاومة لرءوس الأطفال والرضع واغتصاب النساء ، وتشبيه سلوك “حماس” بوحشية “داعش”، والأخيرة لم تخض أى حرب ولا قتال مع كيان الاحتلال، وكانت غالبا مجرد “دمية” فى يد المخابرات الغربية والإسرائيلية تقتل العرب والمسلمين، بعكس “حماس”، التى هى حركة مقاومة فلسطينية، أيا ما كان خلاف الرأى مع طريقة تفكيرها، وقد قدمت مثالا راقيا على أخلاق الحرب من المنظور العربى الإسلامى، وبشهادة أسرى العدو نفسه، على طريقة ما أعلنته الأسيرة “الإسرائيلية” المطلق سراحها السيدة “ليفشيتز”، التى فضحت ـ دون قصد ـ كل افتراءات “إسرائيل” والحلف الغربى المعادى، وتحدثت عن حسن معاملتها وقت الأسر فى أنفاق “حماس”، وعن توفير كل رعاية ممكنة لها دواء وطعاما وعناية، حتى فى توفير عبوات “الشامبو” و”البلسم” لكل الأسيرات، وهو ما جعل الأسيرة المسنة العائدة لأهلها عدوا لدعاية “الإسرائيليين” والأمريكيين والغربيين عموما ، وكأنها صارت عضوا فى كتائب “حماس” النسائية (!) .
والمعنى فيما جرى ويجرى ببساطة، أن المقاومة الفلسطينية الجديدة، فوق إذلالها لجيش الاحتلال، والتهشيم الكامل لصورته المصطنعة كقوة لا تقهر، فإنها تكسب أرضا معنوية جديدة، وتقدم نفسها لأحرار العالم وضمائرهم المستيقظة فى بطء، تزيده اطرادا وصحوا مذابح العدو وفظاعات حربه، وتحيى القضية الفلسطينية من موات، وهو تطور لم يحدث فجأة صباح هجوم المقاومة فى 7 أكتوبر 2023، فقضية الاحتلال العنصرى الإرهابى لم تبدأ اليوم، ومجازره متواصلة بالعشرات والمئات ، من مذابح “دير ياسين” و”الطنطورة” و”كفر قاسم” و”صبرا وشاتيلا” إلى مجزرة المستشفى “المعمدانى”، وهو قاتل وحارق الأطفال والنساء والمسنين والمساجد والكنائس والمدارس، و”إسرائيل” هى “أم الإرهاب” الغربى الأمريكى وسليلته، وما من قوة احتلال لها حق مزعوم فى “الدفاع عن النفس”، بل الشعب الفلسطينى المبتلى بالاحتلال، هو صاحب الحق الأصيل فى الدفاع عن النفس، وفى استرداد الكرامة والأرض ودفع العدوان، ثم أن “دولة” الاحتلال ليست كيانا طبيعيا بأى معنى، وهى بلا دستور وبلا خريطة حدود، و”نتنياهو” المجرم رئيس وزراء العدو، تحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر الماضى، وكان يخاطب الكراسى الفارغة أمامه، إلا من حماته الأمريكيين والغربيين وأتباعهم، وقدم لهم خريطة “لإسرائيله”، تضم كل أراضى فلسطين التاريخية، وبما فيها القدس والضفة الغربية وغزة نفسها، وجرت هذه العجرفة ـ طبعا ـ قبل هجوم المقاومة صباح السابع من أكتوبر، فوق قتل المئات فى مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، تضاف إليهم المئات اليوم، إضافة لأسر الآلاف، واغتيال قادة الأسرى فى سجون العدو، وتهويد وتدنيس القدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وتغول المستوطنات الاستعمارية فى الضفة الغربية، وإعلان الرفض “الإسرائيلى” البات لإقامة أى دولة فلسطينية، وتقويض أى أساس جغرافى وسكانى لهدف إقامة دولة فلسطينية هزيلة، والسخرية الفعلية اليومية من فولكلور “حل الدولتين”، الذى يتغنى به أغلب حكام الدول العربية، وهو يعرفون يقينا، أنه لا مفاوضات ولا يحزنون، ويريدون ـ فقط ـ ستر عوراتهم أمام شعوبهم، وإفساح المجال لحليفهم “الإسرائيلى” وراعيهم الأمريكى المشترك، وهو ما كان سببا موضوعيا لأخذ الشعب الفلسطينى لقضيته بين يديه، خصوصا مع تجذر فكرة الثبات على الأرض، وبدء مرحلة جديدة من سيرة المقاومة العفية بأجيال جديدة، من “قيامة القدس” و”سيف القدس” إلى “طوفان الأقصى”، وقد لا يكون “الطوفان” هو الحرب الأخيرة، إنه ـ بامتياز ـ أول علامات ساعة التحرير المقبل لكل فلسطين، وبداية النهاية لفاشية وعنصرية وإجرام واحتلال كيان الاغتصاب، وروح ثقة أكيدة مضافة لعبقرية وإبداع الشعب الفلسطينى، وقد صارت له الأغلبية السكانية على أرضه المقدسة من جديد ، وكما لم يحدث أبدا منذ نكبة وتهجير حرب 1948 ، وهو ما يعيد القضية إلى سيرتها الأولى ، ويكشف خواء أفكار أزمان الهزيمة ، والبحث عن فتات حق لا عن أصل الحق ، فأصل الحق الفلسطينى فى فلسطين من النهر إلى البحر ، وقد يمد الغرب “إسرائيله” بكل الأسلحة والأموال ، لكنه لا يستطيع إعادة نفخ الروح فى كيانها ، مع نضوب مخازن “الهجرة اليهودية” المستعدة للقدوم إلى الكيان ، ومع تصاعد معدلات التهجير العكسى ، وانكشاف الحجم المريع لمزدوجى الجنسية فى الكيان المصطنع ، واندفاعهم للهروب فى أى لحظة خطر ، فقد تحطمت وتتحطم معنويات المستوطنين ، وسقطت وتسقط خرافة اندماج “إسرائيل” فى البيئة العربية الإسلامية المحيطة ، وتداعت أدوار ووعود اتفاقات “إبراهام” ملعونة الذكر ، وتزلزلت أساطير “جيش الدفاع” الموهوم ، وصارت كل أنظمة التطبيع فى قفص الاتهام ، وصار مطلب تجميد الاتفاقات مطروحا حتى فى الدوائر الرسمية ، فقد بدأت مرحلة تاريخية جديدة ، ودخل الكيان الإسرائيلى فى دورة “العد التنازلى” ، وصولا لإقامة دولة ديمقراطية بأغلبية فلسطينية وأقلية “إسرائيلية” فى مدى سنوات تأتى ، وبسلاسل انتفاضات شعبية وصدامات مسلحة متراكمة وحاسمة الأثر ، وأيا ما كانت نهايات الحرب الجارية اليوم .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.