“جورج فلويد” تجسيد لبعض الحقائق العنيدة

0 194

بقلم حمدي عبد العزيز

لست مع البعض ممن يَسْرَعُون بإستخدام آدوات تحليل مصرية معلبة إذاء الإحتجاجات المتفجرة في أمريكا .
كتلك التناولات التي تصل إلي حد تفجير الطُرافة والفُكاهة مثل أن الإخوان غير بعيدين عما يحدث في أمريكا،
أو أن الدولة الأمريكية العميقة تُفجر الأحداث في وجه ترامب لكي تُزيحه، أو تلك التناولات التي تَنُم عن طابع تفكير مغرق في الغيبية والإستسهال المرتبط بالكسل والجدب الذهني مثل القول بأن هناك أبدان سلطها الله علي أبدان اخري .
لا أميل لإستخدام مثل هذه الأدوات التي تستهدف إزاحة البعد الإجتماعي والتاريخي من ساحة التحليل السياسي ، رغم مايحتويه هذا البعد من حقائق عنيدة لابد من إحترامها وعدم تجاهلها .
مثل حجم التهميش والإضطهاد الإجتماعي في أمريكا كجزء من سياقات أزمة النظام الرأسمالي في مرحلة “النيوليبرالية” ذات النزوع الأكثر توحشاً، وكذلك كأحد تجلياته الأهم صعود يمين شعبوي يؤمن بالدور المركزي للرجل الأبيض في صنع الحضارة الإنسانية، وبتصدير خطاب يُكَرّسْ لفكرة أن المهاجرين من أصول غير أوروبية قد أصبحوا عالة علي إقتصاد الرجل الأبيض، وخَصِمَ من أولوية تمتعه بحق العمل وحَصْدِه للرفاهية التي ينتجها المجتمع الرأسمالي.
كذلك لايمكن إزاحة اعتبار أن هناك آثار لتاريخ من الوحشية والدموية والإبادة التي أرتكبها الأجداد الأوربيون في طريقهِم لإستيطان القارة الأمريكية وتأسيس الولايات الأمريكية المتحدة سواء ضد السكان الأصليين أو للأفارقة الذين تم جلبهم كبضائع لاتتمتع بأي قيمة إنسانية سوي قيمتها الإستعمالية كسلعة بكل ماتعنيه الكلمة، وبحرفية السياقات القانونية التي صاغت التعامل مع الأفارقة في هذه اللحظة الزمنية التي ساهمت في بلوغ عصر الحداثة علي حساب هؤلاء الأفارقة الذين تم إهدار دمائهم وأعمارهم وكرامتهم الإنسانية لأزمنة ممتدة.
يبقي الأهم
وهو وصول النظام الرأسمالي في مرحلة “النيوليبرالية” إلي سقف غير مسبوق من التوحش والنهب والإستغلال والعدوانية وتفجير النزعات الشعبوية العنصرية يهدد بدخول العالم إلي مرحلة مابعد الإنسانية، وهو ماإستلزم مظاهر المقاومة الشديدة لهذا النظام داخل أعمق مراكزه الرأسمالية والتي تلازم وضوحها مع إشتداد الأزمة المالية للنظام الرأسمالي في 2008، بالتلازم مع ظهور نزعات اليمين الشعبوي العنصرية الطابع والتي تعودت قوي الرأسمالية المأزومة علي إطلاق وحشها علي العالم كلما استحكمت أزمة النظام الرأسمالي، مثلما حدث وأطلق وحش النازية الألمانية، ووحش الفاشية الإيطالية مع تعمق أزمة الثلاثينات الشهيرة .
ماحدث تجاه المواطن الأمريكي ذو الأصل الأمريكي ليس جديداً فقد حدث من قبل، ويحدث ويتكرر حدوثه بين آن والآخر في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتسارع حدوثه علي نحو أكثر منذ إندلاع الأزمة المالية 2008، وهاهو يتصاعد الآن مع صعود تيارات اليمين الشعبوي الذي يمثلها ترامب لقمة السلطة في أمريكا .
الجديد هو أن هذا يحدث في لحظة تطور وتعمق لإستخدام وسائل المعلومات والتواصل الإجتماعي المستقل (جزئياً ونسبياً) وهو ماجعل الملايين من البشر في شتي بقاع العالم متابعة ظهور فيديو يصور لحظة مقتل “جورج فلويد” علي يد شرطي أمريكي بطريقة غاية في البشاعة والوحشية والتجرد الكامل من الإنسانية يبدو فيها رجل أسود مقيد اليدين وملقي علي الأرض أسفل جسد رجل البوليس الأبيض في حين إستمع الملايين في العالم جيداً لتوسل “جورج فلويد” مواطن الدولة النموذج الليبرالي الأعلي بالنسبة للكثيرين في بلاد العالم من أجل الحصول علي شئ من الهواء في حين يضغط رجل البوليس بقوة وبثقل جسمه المركز في إنثنائة ساقه علي عنق “جورج فلويد”

اخبار مشابهة
1 من 31

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: